اخبار البحرين

فن إدارة الأزمات وثقافة الاعتذار

في عام 1996 أعلنت السلطات المحلية في ولاية واشنطن تأكيدها أنَّ هناك علاقة بين حالات التسمم ببكتيريا الـ«إي كولاي» التي تسببت بإصابة 60 شخصًا بالتسمم ووفاة طفل، وبين عصير التفاح الذي تنتجه شركة «أودوالا» للمنتجات الغذائية والمشروبات، والتي انهالت عليها عشرات الدعاوى القضائية.

وضمن سلسلة إجراءات اتخذتها إدارة «أودوالا»، خرج مديرها التنفيذي -في ذلك الوقت- ويدعى «ستيفن ويليامسون» بقرار سحب كافة منتجات الشركة التي تحتوي على عصير التفاح والجزر. وقُدِّرت الخسائر الأولية للشركة بـأكثر من 6 ملايين دولار، مع تحمل الشركة كامل المسؤولية، وأعلن أيضًا أن الشركة ستتكفل بكافة المصاريف العلاجية والطبية لأي آثارٍ أو متاعب صحية يصاب بها أي شخص بسبب منتجاتها على نفقتها. كذلك تجدر الإشارة إلى ما لحق بالشركة من خسائر أخرى تمثلت في خسارتها ثلث قيمتها التسويقية، ومثولها أمام القضاء وتوقيع غرامة كبيرة عليها بقيمة مليون ونصف المليون دولار.

وبالرغم من ذلك، أدركت شركة «أودوالا» أن الشيء المهم في هذه الأزمة والدرس الذي استوعبه مسؤولوها هو الصمود وعدم الانهيار، والتفكير في استعادة ثقة العملاء. فقد سخرت إمكاناتها كافة لإطلاق حملة علاقات عامة، وحجزت صفحة يومية في أكبر الصحف الأمريكية انتشارًا، لشرح موقفها، وإجراء تحديثات مستمرة للإجراءات التي تتخذها تجاه المتضررين، وتجاه عملية تحسين منتجاتها، وإصلاح مشاكل التلوث في مصانعها، وترقية نظام التحكم في الجودة والأمان إلى أفضل نظام ممكن، مما جعل جمهورها يتقبل إعلانها بإعادة طرح منتجها لعصير التفاح وذلك بعد شهرين من هذه الأزمة. وفي عام 2001 كانت شركة «أودوالا» تتعافي، بل وحققت أرقامًا قياسية في سوق الأغذية والمشروبات بالولايات المتحدة، وبسبب هذا النجاح، خططت شركة «كوكا كولا» للاستحواذ عليها مقابل 186 مليون دولار.

في عالم الأعمال، التعرض للأزمات هو أمرٌ وارد طوال الوقت، فإذا كانت منظمات الأعمال تهدف إلى الاستمرار والصمود، فعليها دائمًا اتخاذ وضع الاستعداد، ليس فقط لاستقبال الأزمات والتعامل معها بأفضل شكلٍ ممكن أو الخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، بل إنها فرصة جيدة لمنظمات الأعمال للتعبير عن قيمها ومبادئها الحقيقية وصدق وعودها والاهتمام بسمعتها أمام عملائها واستعادة ثقتهم.

وكما هو الحال في عالم الأعمال، فهناك أيام قد تمر علينا بصعوبات وأزمات، ولكن أجمل ما فيها أنها تعلمنا كيف نواجهها بكل قوةٍ وإصرار ونخرج منها مجتازين مهما كانت صعبة وشاقة، كما أن الاعتذار عن الخطأ لا يجرح كرامتنا، بل هو من شيم الكبار، ويشفي الكثير من الجروح والآلام، ويمنعنا من فقدان من نحبهم ولا نريد خسارتهم، فهناك الكثير من المجتمعات يعتبرون الاعتذار جزءًا أساسيًا من مقوماتها وثقافتها الفكرية، لذلك تراهم يزرعون في أطفالهم ثقافة الاعتذار منذ الصغر، وكما هو معروف أنك تتعرف أكثر على حقيقة الشخص الذي أمامك عندما يتعرض إلى أزمة أو عند وجوده تحت ضغط، حيث يكون الإنسان وقتها أكثر صدقًا وتلقائية.

توفيق محمد السباعي

باحث في الموارد البشرية وتحليل الأعمال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى